محمود محمود الغراب
105
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
الآفاق ، وتفجرت الجداول ، وأخذت مراتبها الأقاول ، وصعد الخطيب المصقع منبره ، وحمى أثره ، وإذا به معتدل النشأة ، حسن الهيئة ، وضاح الجبين ، أشم العرنين ، سبط البنان ، ذرب اللسان ، من أهل أرين « 1 » ، وداره بعليين ، في أحسن تقويم ، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، مستدير الوجه الأغر ، كأنما فقىء حب الرمان في خده فاحمر ، فسلم ولم يشر ببنانه ، وضرب بلسانه أرنبة أنفه وأداره في شدقه ثم شرع في بيانه ، فقال : الحمد للّه الذي كان ولا شيء معه ، وهو على ما عليه كان ، ثم أبدع العالم واخترعه ، ولم يرجع إليه أثر من خلقه الكيان ، أوجد ما علم من ذاته لا من شيء ، وأخرجها من غير شيء كانت فيه ولا خبء ، وكان موصوفا بالوجود ، قبل كل موجود ، ولا قبل إلا من حيث العبارة ، ولا كان إلا من حيث الإشارة ، والمنهج القويم ، في معرفة ارتباط المحدث بالقديم ، وليس بينهما بينية ، ولا قبلية ، إذ القبل مخلوق إضافي ، وامتداد زماني ، ولو حققتم مراتب الموجودات لاستحال عندكم وجود الأزمان ، والتقدم بالمكان ، وقضيتم فيها بالإحالة بعد الإمكان ، فمن ثبت قدمه استحال عليه إطلاق صيغ الأزمان ، والإشارة بصيغ المكان ، إلا من طريق المجاز على الجواز ، لما في عالم العبارة من العجز والقصور في ذلك المقام من العلو والإعزاز ، فنطلقها عليه للعقول المعقولة بأفكارها ، لتجوز منها إلى إدراك المعاني المقدسة المؤسسة في فطرها ، ولولا الإمداد لهذه العقول المتعطشة لمعرفة باريها الحائرة ، ما احتجنا إلى استعمال هذه العبارات القاصرة ، فله الصفات العلى والأسماء الحسنى ، والنبأ الأسنى ، وحجاب العزة الأحمى ، تجلى اسمه الحي فحييت الموجودات ، والقيوم فقامت به الأرض والسماوات ، ومن فيهن من عوالم البقاء والاستحالات ، فعنت لحياته الوجوه ، وسجدت لقيوميته الجباه ، وأقنعت لعظمته الرؤوس ، وتحركت بذكره الشفاه ، وحبا سيدنا هذا بفنون المعارف والأسرار ، ومنحه جزيل العوارف في مطالع الأنوار ، فأداره مع الأفلاك ، وأسرى به مع الأملاك ، فوقف على الآثار الفلكية ، وتحقق بأسرار اللطائف الملكية ، وخاطب كل روحانية بلغتها ، فعرّفته بمكان حكمتها ، فلما حل في أوج العلا ، نزل في خط الاستوا ، خوفا أن ينحرف إلى أحد الميلين فتذهب بعض معارفه ، ويستحيل إلى الكثافة بعض لطائفه ، وعلم
--> ( 1 ) أرين مثل خط الاستواء ، وفي اصطلاح الصوفية هو محل الاعتدال في الأشياء .